بين الهيكلة التنظيمية، وبروز التكافل، وإطلاق أولى الصكوك السيادية في عام 2026، تخوض الجزائر تحولًا حاسمًا في مسار ماليتها الإسلامية. تستعرض هذه المساهمة أوجه التقدم المحرز، وحدود سوق لا تزال في طور النشأة، والتكامل الاستراتيجي بين التأمين التشاركي والأدوات المالية الشرعية. كما تُسلّط الضوء على نموذج متكامل قيد التشكّل، حامل لإدماج مالي وتعبئة للادخار وتمويل مستدام، شريطة توطيد أسسه المؤسساتية والسوقية.
بقلم: السيد حاج محمد أحمد، نائب الرئيس المدير العام لشركة GAM للتأمينات
منعطف هيكلي للمالية الإسلامية في الجزائر
أُرسيت المالية الإسلامية في الجزائر منذ صدور النظام رقم 20-02 المؤرخ في 15 مارس 2020 عن بنك الجزائر، الذي سمح للبنوك التقليدية بتقديم منتجات متوافقة مع الشريعة عبر شبابيك مخصصة. وهذا القطاع، الذي يشهد نموًا قويًا، مدعوم بالقانون رقم 23-09 المتعلق بالنقد والقرض، الذي يُسهّل الإدماج المالي.
وقد قطع تطوير المالية الإسلامية في الجزائر شوطًا حاسمًا بين عامي 2021 و2026، من خلال الإرساء التدريجي لدعامتيها الأخريين اللتين تُشكلان اليوم هذه المنظومة، وهما: المرسوم التنفيذي رقم 21-81 المؤرخ في 23 فبراير 2021 المؤطر للتأمين التكافلي، وإطلاق الخزينة العمومية، بتاريخ 27 يناير 2026، لأول صك سيادي من نوع “الإجارة”، بمبلغ مستهدف قدره 296.65 مليار دينار جزائري، مخصص لتمويل المشاريع العمومية.
وتعكس هذه الدينامية إرادة واضحة من السلطات لتنويع مصادر التمويل، وتعبئة الادخار الوطني، وهيكلة سوق متوافقة مع مبادئ المالية الإسلامية. وفي هذا الإطار، تُصبح العلاقة بين التكافل والصكوك إحدى الروافع الاستراتيجية لتحويل المنظومة المالية الجزائرية.
التكافل في الجزائر: سوق ناشئة لكنها في نمو
يُشكل المرسوم التنفيذي رقم 21-81 حجر الزاوية في تطوير التكافل بالجزائر. فهو يُدخل فصلًا صارمًا بين صناديق المشاركين (المؤمَّن لهم) وصناديق المساهمين، ورقابة على المطابقة الشرعية، وكذا قواعد حوكمة خاصة.
وإلى نهاية 2025، لا تزال سوق التكافل متواضعة، لكنها في تقدم قوي. فقد حقق التكافل العام رقم أعمال بلغ 851.8 مليون دينار جزائري، أنجزته شركتان رئيسيتان: الشركة العمومية “الجزائر تكافل العام” (El Djazair General Takaful)، ونافذة “تكافليا” (Takafulia) التي أنشأتها شركة GAM للتأمينات، أول مُشغّل تاريخي في مجال التكافل العام حصل على اعتماده، وعلى الشهادة الشرعية لمنتجاته، وأطلق نشاطه في السوق سنة 2021.
من جهته، سجّل التكافل العائلي رقم أعمال بلغ 536.8 مليون دينار جزائري في عام 2025، بقيادة الشركة الحكومية “الجزائر المتحدة للتكافل العائلي” (El-Djazaïr El-Moutahida Family Takaful). ويمثل المجموع حجمًا إجماليًا يُقدر بنحو 1.39 مليار دينار جزائري، وهو ما يكشف عن انطلاقة تدريجية، ومعدل انتشار ضعيف مقارنة بالإمكانات الوطنية، وهامش نمو كبير (المصدر: مذكرة الظرفية الصادرة عن CNA لعام 2025).
وعلى الرغم من هذه المكتسبات، لا تزال عدة عوائق قائمة، لا سيما غياب الأصول الإسلامية السائلة للتوظيف، وضعف الثقافة التأمينية والإدماج المالي لدى السكان، فضلًا عن عرض منتجات لا يزال محدودًا. غير أن بروز الصكوك السيادية في عام 2026 قد يُساهم في تجاوز هذه العقبات وتعزيز انطلاقة أفضل للتأمين التكافلي في السوق.
الصكوك السيادية 2026: تحوّل في النموذج
أطلقت الجزائر في يناير 2026 إصدارها الأول من الصكوك السيادية من نوع “الإجارة” (المنفعة)، بمبلغ مستهدف قدره 296.65 مليار دينار جزائري، مخصص لتمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع العمومية. وترتكز هذه السندات على أصول حقيقية تابعة للدولة، وتقدم عائدًا قائمًا على الإيجارات، يُقدر بنحو 6٪، مع الاستفادة من إعفاء ضريبي جذاب.
وقد سجّلت هذه العملية نجاحًا لافتًا، إذ اكتُتب أكثر من 80٪ من السندات في غضون أشهر قليلة من الإطلاق، مما دفع إلى تمديد فترة الاكتتاب حتى 30 أفريل 2026.
وعلى الصعيد الاقتصادي الكلي، يستجيب هذا الإصدار لعدة أهداف استراتيجية، من بينها تنويع مصادر التمويل العمومي، وتقليص التبعية للمحروقات، وتعبئة الادخار غير الرسمي، وتشجيع الإدماج المالي، إضافة إلى تطوير سوق رؤوس الأموال. ويُعد هذا الإصدار، في هذا الصدد، اختبارًا حقيقيًا على أرض الواقع للمالية الإسلامية في الجزائر.
العلاقة بين التكافل والصكوك: تكامل هيكلي
تندرج العلاقة بين التكافل والصكوك ضمن نموذج دائري متكامل، حيث تُغذي المساهمات (الأقساط) التكافلية المُحصّلة استثمارات في الصكوك المتوافقة مع الشريعة، والتي تُموّل بدورها مشاريع اقتصادية، تُغطى مخاطرها لاحقًا من طرف التكافل. ويُنشئ هذا المخطط منظومة إيجابية قائمة على الترابط بين الأدوات.
وبذلك، توفر الصكوك للتكافل أدوات استثمار متوافقة مع المتطلبات الشرعية، مع تمكينه من تحسين إدارة الأصول والخصوم، وتعزيز أمن التوظيفات. وفي المقابل، يُساهم التكافل في تطوير الصكوك من خلال ضمان تغطية الأصول الأساسية، وتقليص المخاطر بالنسبة للمستثمرين، وتعزيز مصداقية الإصدارات. وهو يلعب، في هذا الصدد، دورًا مماثلًا لدور التأمين في أسواق السندات التقليدية.
آفاق التطور في الجزائر (2026-2030)
مع توفر الصكوك، قد تشهد سوق التكافل تسارعًا ملحوظًا. وتستشرف التوقعات مضاعفة حجم السوق بمعدل يتراوح بين ثلاث وخمس مرات في أفق 2030، وصعودًا لافتًا للتكافل العائلي، مدعومًا بمنتجات ادخار شرعية مرتكزة على مردودية الصكوك، إضافة إلى تطور قطاعات متخصصة مثل التأمين الفلاحي، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتكافل الأصغر.
غير أن نجاح هذه الدينامية يرتكز على عدة شروط أساسية، من بينها تطوير سوق للصكوك من خلال إصدارات منتظمة، سواء كانت سيادية أو خاصة بالشركات، وإنشاء سوق ثانوية سائلة، وإدماج تنظيمي للعمليات، إضافة إلى تناسق بين القطاعات المصرفي والتأميني والمالي. كما يفترض ذلك تعزيز الحوكمة الشرعية، وإرساء حوافز اقتصادية كالمزايا الجبائية، وتعبئة الادخار غير الرسمي، فضلًا عن ابتكار متواصل في مجال المنتجات، لا سيما عبر التكافل الرقمي وحلول الادخار المرتكزة على الصكوك.
الأثر الاقتصادي المتوقع
من المرجح أن يُولّد التطور المشترك للتكافل والصكوك انعكاسات اقتصادية ملموسة، لا سيما على صعيد الإدماج المالي، والتمويل المستدام للبنى التحتية، واستقرار قطاع التأمينات، وتعزيز جاذبية البلاد لدى المستثمرين الدوليين.
نحو نموذج جزائري لمالية إسلامية متكاملة
تدخل الجزائر اليوم مرحلة هيكلية في تطورها بمجال المالية الإسلامية، حيث يُرسي التكافل الأسس التأمينية منذ عام 2021، في حين توفر الصكوك السيادية الأدوات المالية اللازمة. ويُنشئ الجمع بينهما شروط منظومة متكاملة ومستدامة.
غير أن نجاح هذا النموذج سيتوقف على القدرة على تسريع انتشار التكافل، وضمان تنسيق مؤسساتي قوي، وتطوير سوق صكوك عميقة بما يكفي. ومن هذا المنظور، يمكن لبورصة الجزائر أن تلعب دورًا محوريًا، لا سيما من خلال إنشاء وإدارة صندوق للتسنيد يهدف إلى تأطير إصدارات الصكوك الخاصة بالشركات، مما يُساهم في إعادة تنشيط السوق المالية وتعبئة ادخار موجّه نحو مشاريع منتجة.
ومن جهة أخرى، فإن إرساء بيئة مالية مواتية، قائمة على سوق سائلة للصكوك وسوق ثانوية لرؤوس الأموال قابلة للوصول للاستثمارات التشاركية، من شأنه أن يدعم توسع التأمين التكافلي. ويبدو إطلاق الصكوك في عام 2026 بذلك بمثابة الحلقة المفقودة القادرة على تحويل التكافل من سوق ناشئة إلى رافعة حقيقية لتمويل الاقتصاد الجزائري.