بقلم: ثريا مقران
مدفوعًا بدينامية عالمية في تصاعد قوي، يترسخ التأمين التكافلي في الجزائر بمعالم واضحة المعالم. وباعتبارها أول شركة أطلقت نافذة للتكافل العام، تعمل GAM على صقل استراتيجيتها بين الامتثال الشرعي، والهيكلة التقنية، والرؤية الشمولية. حوار مع نائب رئيسها التنفيذي، السيد حاج محمد أحمد.
مجلة L’ASSURANCE: يقوم التكافل على هيكل مالي يتمفصل بين صندوق المشاركين وصندوق الشركة. كيف تم هيكلة هذا التنظيم داخليًا لدى شركة GAM للتأمينات؟
السيد حاج محمد أحمد: يندرج التأمين التكافلي ضمن منظومة التمويل التشاركي التي تحترم أحكام الشريعة. وهو قائم على مبدأي التعاضد المشترك والمساهمة الطوعية للمشتركين. ويتم تقاسم الخطر بشكل جماعي وطوعي من قبل جميع المشاركين. ونموذج التكافل هو نظام قائم على أسلوب تعاقدي ينضم إليه أشخاص طبيعيون و/أو معنويون يُطلق عليهم اسم “المشاركين”، الذين يلتزمون بالتعاضد فيما بينهم عند تحقق الخطر أو عند حلول الأجل المحدد في عقد التأمين التكافلي، وذلك من خلال دفع مبلغ على سبيل التبرع، يُسمى “المساهمة”. وتُتيح هذه المساهمات المدفوعة إنشاء صندوق يُسمى “صندوق المشاركين”، وهو الحساب الذي تُخصص فيه المساهمات وعائدات التوظيفات، ومنه تُدفع وتُخصص تعويضات الحوادث، والمؤونات التقنية، وعمليات إعادة التكافل، والمصاريف التقنية الأخرى للتسيير.
وفي حال تحقيق فائض في نهاية السنة المالية، تُوزع حصة من هذا الفائض على المشاركين وفق إحدى الطرق المنصوص عليها في مرسوم التكافل. ويمنح المُشغّل “قرضًا حسنًا” قابلًا للاسترداد من الفوائض المستقبلية للصندوق في حال تسجيل عجز.
ومنذ صدور المرسوم التنفيذي رقم 21-81 المؤرخ في 23 فبراير 2021، الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة التأمين التكافلي، اختارت GAM للتأمينات إنشاء “نافذة تكافل عام”، حصلت بموجبها بتاريخ 04 نوفمبر 2021 على اعتماد من وزارة المالية وشهادة مطابقة شرعية لعقودها التكافلية العامة، سلّمتها بتاريخ 27 ديسمبر 2021 الهيئة الشرعية الوطنية للفتوى لصناعة المالية الإسلامية التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى. وبعد الحصول على هذه الاعتمادات، أصبحت GAM للتأمينات أول شركة “أضرار” في السوق تُطلق ممارسة التأمين التكافلي في السوق الجزائرية، ابتداءً من شهر أفريل 2022.
وتُدار نافذة GAM للتكافل من قبل قطب تقني وتجاري مخصص، بدعم من جميع المديريات المركزية (المهنية، والإدارية، والمعلوماتية). وامتثالًا لأحكام مرسوم التكافل، تُفصل حسابات نافذة التكافل عن الجزء التقليدي على مستوى نظام المعلومات، وتخضع عملياتها لرقابة لجنة إشراف شرعية.
بخصوص الإطار القانوني الحالي، كيف تستشرفون التطورات المقبلة؟ وما هي الشروط التي تبدو لكم ضرورية لتمكين هذا القطاع من النضج بشكل مستدام في الجزائر، سواء على الصعيد التشغيلي أو المؤسساتي؟
قُدّرت السوق العالمية للتكافل في عام 2024 بنحو 33 مليار دولار أمريكي، أي بنمو نسبته 12٪ مقارنة بعام 2023. ويمثل قطاع التكافل العام نحو 85٪ من السوق العالمية في عام 2024. وباعتباره عنصرًا من منظومة المالية الإسلامية، يدين التكافل بنموه لقربه من البنوك ونوافذ المالية الإسلامية، التي تُعد شركاء مميزين في التوزيع (التكافل المصرفي) وفي التوظيفات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة. ويمكن أن تتحقق آفاق تطوير سوق التكافل في الجزائر مستقبلًا، إذا أمكن إصدار وطرح سندات مشاركة عقارية مستمدة من المالية الإسلامية (الصكوك)، من أجل استقطاب الادخار الراكد لدى الأعوان الاقتصاديين والمستثمرين المؤسساتيين، ومضاعفة تمويلات المشاريع المواتية لتنمية الطلب على التأمين التكافلي لحماية الممتلكات والادخار والتحوط.
ومن جهة أخرى، فإن إرساء تمويل أصغر تشاركي ملائم ومتكيف مع احتياجات التمويل لدى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، والمقدر عددها بنحو 5 ملايين عميل محتمل (سكان الأرياف، والفلاحون، وأصحاب المشاريع الذاتية، وغيرهم)، من شأنه أيضًا أن يُتيح بروز طلب على “التكافل الأصغر”.
ما هو الدور الذي تلعبه شبكات التوزيع (الوكلاء، الوسطاء، البنوك…) في استراتيجيتكم الخاصة بالتكافل؟ وكيف تعتزمون تهيئة شركائكم لهذا النموذج التشاركي الذي لا يزال في مرحلة النشوء؟
تجدر الإشارة إلى أن نمو أسواق التكافل العالمية قد استمد زخمه خلال السنوات الأخيرة من نماذج التوزيع. فأولًا، سمحت الرقمنة وتطور التكنولوجيا التأمينية بظهور منصات رقمية تُقلّص آجال الاكتتاب وتسوية الحوادث. ومن جهة أخرى، ساهم بروز منتجات جديدة، لا سيما التكافل الأصغر، في إدماج الفئات المستبعدة تقليديًا من المنظومة المالية والتأمينية، كالعمال في القطاع غير الرسمي، بفضل تغطيات منخفضة التكلفة. وبالإضافة إلى ذلك، أتاح دمج الذكاء الاصطناعي والأجهزة المتصلة إدخال حلول تسعير ديناميكي للمنتجات الجماهيرية، مع أتمتة عمليات الاكتتاب وخدمات العملاء. وأخيرًا، ساهمت الشراكات الاستراتيجية المبرمة بين مُشغّلي التكافل والمؤمّنين التقليديين والفاعلين المصرفيين، لا سيما عبر التأمين المصرفي، في تسهيل التوزيع بشكل كبير.
ويتوقف توسع عمليات التكافل في السوق الجزائرية في المقام الأول على إرساء علاقات “التكافل المصرفي” مع البنوك ونوافذ المالية الإسلامية، وعلى إنشاء شبكة توزيع متخصصة في التكافل، مكونة من الوكلاء العامين والوكالات المباشرة والوسطاء.
ولحث هؤلاء الشركاء على توزيع منتجات التكافل، يتعين اقتراح شروط جذابة عليهم من حيث التكوين، ورقمنة المبيعات، وخدمات ما بعد البيع الفعّالة والمتكاملة (تعويضات سريعة، مساعدة متعددة الأشكال، سهولة الاتصال، استشارات…)، ومنتجات مبتكرة تتلاءم مع تطلعات الزبائن المحتملين من الأفراد والمؤسسات.
ومن أجل إرساء شروط تطوير أكثر عدالة وتجانسًا للتأمين المصرفي لصالح مُشغّلي التكافل في السوق، يُستحسن، من أجل مزيد من إثراء سوق التكافل، السماح لنوافذ التكافل التابعة للشركات الخاصة بنسج علاقات “تكافل مصرفي” مع نوافذ المالية الإسلامية التابعة للبنوك العمومية.
بعد الانطلاق في 2022، ما هي المؤشرات الرئيسية التي تتابعونها اليوم لقياس أداء نافذة التكافل؟ وما هي أولوياتكم بالنسبة لأفق 2026/2027؟
بمناسبة إطلاق نافذة GAM للتكافل، تم إرساء نظام معلومات منفصل عن النظام التقليدي، وتم فيه ضبط معطيات منتجات التكافل المزمع تسويقها عبر شبكة التوزيع، من أجل تسهيل عمليات الاكتتاب وبناء علاقات مستقبلية لبيع التأمين المصرفي بشكل مبسّط وسريع. ويرتكز عرض منتجات التكافل هذا على مكتب خلفي فعّال، يتكون من نظام معلومات/رقمي متين، ومنصة مركزية لإدارة التعويضات، وجهاز للمساعدة على الطريق، وكسر الزجاج، والمساعدة المنزلية والمهنية، ومركز اتصال في خدمة العملاء.
وتتجه أولوياتنا بالنسبة لأفق 2026/2027 نحو روافع الأداء التالية:
- توزيع فعّال، يقوم على:
- شراكات تكافل مصرفي متينة مع البنوك والشبابيك الإسلامية؛
- تطوير الوكالات والوكلاء العامين المتخصصين في التأمين التكافلي؛
- تعزيز العلاقات مع وسطاء التكافل، وكذا توطيد القنوات الرقمية.
- محفظة منتجات تكافلية ملائمة، تشمل:
- عروضًا مجزأة حسب فئة الزبائن (باقات مهنية للتكافل – باقات مخصصة للسيارات – باقة سكنات الأسر، وغيرها)؛
- منتجات متعددة الأخطار تستهدف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدًا والمستغلين الفلاحيين.
- تسعير استراتيجي، قائم على تعرفة اكتوارية متوازنة، تأخذ بعين الاعتبار معدل الحوادث، والقدرة المساهماتية للمشاركين، وكذا إعادة الفوائض إلى المشاركين.
بعيدًا عن الأداء الاقتصادي، ما هي رؤيتكم للأثر الاجتماعي والمجتمعي للتكافل في الجزائر؟ وهل تطمح GAM للتأمينات إلى جعل هذا النموذج رافعة للتمويل الشمولي أو أداة في خدمة تضامن وطني أوسع؟
يلعب التأمين التكافلي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا هامًا في المجتمع. فهو يُتيح للشخص الطبيعي المتضرر الحصول على الأموال اللازمة لإعادة بناء ممتلكاته المتضررة من جراء خطر ما. كما يلعب دورًا حاسمًا في بقاء المؤسسات، إذ يوفر لها الأموال اللازمة لتجاوز الأوضاع الصعبة التي قد تُهدد استمراريتها وبقاءها (حريق، فيضان، إفلاس عميل مدين…).
هذه أمثلة على الدور الاجتماعي للتأمين التكافلي، الذي يتمثل في تأمين الأعوان الاقتصاديين والأفراد وممتلكاتهم، وكذا مداخيلهم، وذلك للحفاظ على استقرارهم الاجتماعي. وبعيدًا عن رسالته التأمينية، تحمل شركة التكافل قيمًا قائمة على التعاون والتعاضد بين مختلف شركائها (المشاركين والمُشغّلين). وستُبرز فضائل المرجعية الشرعية في جميع مراحل حوكمة الشركة وإدارتها، وذلك من خلال:
- حوكمة شفافة ومسؤولة تسهر على المصالح المشتركة للمشاركين والمُشغّلين؛
- احتساب عادل للمساهمات بين المشاركين وفق درجة مخاطرهم؛
- تقاسم عادل للفوائض التقنية بين المشاركين؛
- عرض منتجات مبتكر وتقديم خدمات مثلى للمشاركين.
ولن تزيد هذه العناصر المكوّنة للمسؤولية الاجتماعية لشركة التكافل إلا من توطيد إجماع المشاركين والزبائن المحتملين تجاهها، بهدف تعزيز انتمائهم وولائهم وإدماجهم المالي في خدمة تمويل الاقتصاد الحقيقي.